مقدمة
بكل ثقة وفخر واعتزاز يذكر المسلمون أن أجدادهم الأوائل كانوا قد اكتشفوا أمريكا قبل أن يكتشفها ”كولومبوس” بفترة طويلة، وذلك عندما قطعوا المحيط الأطلسي من الأندلس سنة 1150م، ووصلوا إلى ما يعرف حاليا بالبرازيل، والمؤرخ المسلم الشريف الإدريسي، يذكر أن اكتشاف المسلمين لهذه القارة كان قد تم قبيل هذا التاريخ، وذلك عندما أبحر ثمانية من المسلمين من لشبونة في القرن العاشر الميلادي، محاولين اكتشاف ما وراء بحر الظلمات، وهو الاسم الذي كان يطلقه البحارة المسلمون على المحيط الأطلسي، إلى أن نزلوا في أمريكا الجنوبية. وتؤكد هذه الحقائق بعض كتابات المستشرقين ، يذكر مهدي في كتابه (العرب في أمريكا) أنه في سنة 1539 م اكتشف ”فراماركوس دي نايز” المناطق المعروفة اليوم باسم ”نيومكسيكو” و”أريزونا”، وكان مرشده في ذلك مسلم مغربي اسمه ”أسطفان”، ولقد راح ”أسطفان” ضحية سهم من أحد الهنود الحمر، سكان أمريكا الأصليين الذين لم يكونوا قد رأوا الرجل الأبيض بعد.. كما أن هناك مخطوطة نادرة للرحالة عبد الرحمن البغدادي بعنوان ” مسليات الغريب ” وتوجد حاليا بمكتبة الدولة ببرلين الغربية - وقد حصلت على نسخة منها شخصيا - سجل فيها أحوال المسلمين في البرازيل وماطرأ على شعائرهم الدينية من تغيير وتحريف ..وأخبروه بأنهم يمارسون شعائرهم الإسلامية خفية خوفا من ملاحقتهم من محاكم التفتيش البرتغالية وعمر هذه المخطوطة الآن يزيد عن 150 سنة .
وعليه أقول لقد دوى صوت الآذان في أرجاء أمريكااللاتينية قبل أن تدق أجراس الكنائس .
الجمهورية البرازيلية في سطور
تعتبرالبرازيل من أكبردول أمريكا اللاتينية ، فقد اكتشفت عام 1500 على الأصح ، تصل مساحتها إلى 9 ملايين كيلومتر مربع ، وأكثر من 180مليون نسمة ، لغتها الرسمية البرتغالية ، أما نوع الحكومة فهي جمهورية اتحادية تتكون من 26 ولاية ، كل ولاية لهاحاكم خاص يسير شؤونها ، لكن تحت سيادة مركزية موحدة ..ريس الدولة الحالي “لويس إناسيولولاداسلفا” من حزب العمال ، وهناك أحساب لها نشاطها ونفاذها أهمها: الحزب الجمهوري ، وحزب العمال..

منظر من شلالات الباراكواي على حدود الأرجنتين
تحد البرازيل من الشمال: بالمحيط الأطلسي وسورينام وفينزويلا ، ومن الجهة الغربية: بكولومبيا وبيرو وبوليفيا والباراكواي ، ومن الجنوب: بالأوروكواي والأرجنتين ، ومن الشرق: بالمحيط الأطلسي كذلك .
وتعد البرازيل القوة الاقتصادية الأولى في قارة أمريكا الجنوبية والمحرك الأساسي والفاعل في السوق الدولية ، كما أنها تعد من الدول الصناعية والغنية بثرواتها الطبيعية المختلفة ، وهي الآن تحتل الصف الأول من حيث صادراتها للحوم الأبقار والدواجن…وخاصة إلى الأسواق العربية والإسلامية.
كسكس المغاربة في البرازيل
هناك روايات تقول إنه يعود تاريخ المسلمين ووجودهم في البرازيل إلى فجر اكتشاف القارة الأمريكية، فعندما رست سفينة ”كابرال” على ساحل البرازيل، كان برفقته ملاحون مسلمون ذوو شهرة عظيمة أمثال شهاب الدين بن ماجد وموسى بن ساطع، ويؤكد أحد المؤرخين البرازيليين، ”جواكين هيبيرو”، في محاضرة ألقاها عام 1958م ونشرتها الصحف البرازيلية آنذاك، أن العرب المسلمين زاروا البرازيل واكتشفوها قبل اكتشاف البرتغاليين لها عام 1500 م، وأن قدوم البرتغاليين إلى البرازيل كان بمساعدة البحارة المسلمين الذين كانوا أخصائيين ومتفوقين في الملاحة وصناعة السفن…
ويزيد في تثبيت وتوثيق هذه الحقائق الكاتب البرازيلي الشهير والخبير في شؤون الأقليات، ”جيلبير تو فريري”، في كتابه (البرازيل /عالم جديد في الأوساط الاستوائية)، يقول: إن هذا الكتاب لن يشجع القارىء على التعرف الكامل على البرازيل فحسب، بل سيقيم الدليل كذلك، على أهمية إسهام العرب في تكوين الإنسان البرازيلي، إن وجودهم في شبه جزيرة إبيريا منذ القرن التاسع على الأقل، يثبت أن العرب والمغاربة والمسلمين شاركوا كذلك في اكتشاف هذا البلد الجديد منذ الإبحار على متن البواخر الشراعية البرتغالية، وسرعان ما أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من القومية مع تقوية عملية الاختلاط العرقي، وهذا الإسهام يؤكد العمل الدؤوب لدرجة أن الفعل المشتق من اسم سكان إفريقيا الشمالية (المغرب) (مورو) لا يزال مرادفا للعمل في اللغة البرتغالية. ومن جهة أخرى فإن العبارة: أنه يعمل كما يعمل )المورو) أو المغربي ، تعبر سواء في البرازيل أو البرتغال، عن النشاط المتواصل والشاق لأولئك الذين كانوا كبار المزارعين وكبار الفنيين، من نجارين وحدادين وخياطي ملابس الرجال… وغيرهم من أصحاب المهن المرتبطين بهذه الأصول العربية، التي تركت آثاراً واضحة كل الوضوح في مختلف المجالات، مثل فن المعمار والأزياء وصناعة الحلوى…

ومازال طبق إفريقيا الشمالية (المغرب) المسمى (الكسكس) ”كوزكوز” فتأقلم البرازيلي مع هذه الأكلة وحولها إلى منتوجات محلية مثل ”المانديوكا” (التي هي بطاطس الهنود الحمر مع الذرة…) ويؤكد الواقع والتاريخ أنه عندما وصل البرتغاليون إلى البرازيل، كثير منهم كانوا يميلون للراحة مع بعض العمل اليدوي، وهذا يمكن شرحه في جزئه الأكبر فقط بما يلي: لقد كانت خدماتهم المنزلية زهاء قرن من الزمن يقوم بها الرقيق، والجزء الأكبر من عملهم الزراعي ليس لمدة قرن واحد ولكن عدة قرون، كان يقوم به المسلمون… وبعض البرتغاليين الذين كان يجري في عروقهم الدم الخالص لأبناء أوروبا الشمالية وجدوا في النساء المسلمات ذوات اللون الأسمر الفاتح ـ وبعضهن أميرات ـ وجدوا فيهن النموذج الرائع للجمال النسائي، وأكثر من باحث في التاريخ وخصوصا ”روي ناش ” في كتابه (فتح البرازيل) يتكلم عن أول لقاء بين البرتغاليين وبين المسلمين المغاربة كأنما هو لقاء بين شعب مغلوب وبين شعب غالب ذي بشرة سوداء، والرجل الأسمر كان أكثر ثقافة وصاحب ذوق فني أكبر يعيش في قصور ويسكن المدن، كان هو الغني، بينما كان البرتغاليون يعيشون كما لو كانوا عبيدا في أراضي هؤلاء المسلمين المغاربة، وفي ظروف العز هذه كان شرفا كبيرا للرجل الأبيض أن يتزوج أو أن يختلط مع الطبقة المسيطرة وهم القوم ذوو اللون الأسمر… حتى أصبح الشعراء الروحانيون من البرتغاليين والإسبان يتغنون بالنباتات الجميلة ومنابع مياهم، ذاكرين ذلك في قصص أخاذة عن الأميرات المسلمات السمراوات، وعلى العموم، فإن برتغاليي البرازيل احتفظوا بكثير من طابع التأثير الإسلامي في سلوكهم أو طبيعتهم التي لم تكن أبدا أوروبية خالصة ولا نصرانية خالصة، وهذا التأثير من السهل ملاحظته في كثير من الجهات بالبرازيل، وعلى الخصوص في ولاية ”باهيا” وفي مدينة سالفادور، ورسيف ، وريو دي جانيرو ، فالزائر إلى هذه المدن، وخصوصا ”باهيا”، عاصمة المسلمين الأوائل، يرى فن المعمار الإسلامي واضحا جدا من حيث الأبواب والنوافذ والساحات الداخلية ونوافير المياه والأزقة ذات الأرصفة الحجرية، وكأنه في مدينة فاس المغربية أو وسط دروب الأندلس أو أحد شوارع حلب، أو أي مدينة إسلامية قديمة، ولا يستغرب أن يرى اسم شارع القديس محمد والقديسة فاطمة، ويرى تجاعيد الملونين وصورهم ونظراتهم وكأنه وسط مدينة الخرطوم أو إحدى المدن النيجرية، سكان هذه المدينة 80% من أصول إفريقية مسلمة، فأكبر العائلات: مورو ـ سيلفا ـ إلفيارا… ترجع إلى أصول إسلامية، كما أن هناك متحفا للمخطوطات يحمل في رفوفه وثائق تعد بالمئات عن ثورات وانتفاضات لتحرير الرق بشكل عام، وخاصة المسلمين.
”عبيد” متفوقون على ”الأسياد”
وتؤكد هذه المخطوطات المحفوظة في هذا المتحف، وفي المتاحف البرازيلية الأخرى، أن أكثر المنحدرين من الأفارقة الذين جيء بهم ”كعبيد” إلى البرازيل هم من جذور إسلامية، وأنهم كانوا يقرؤون القرآن باللغة العربية وبالرسم العثماني برواية ورش المغربية، وقد وصلت أفواج ”الرقيق” إلى البرازيل عام 1538م، ولم تمض 40 سنة حتى نقل إليها 14 ألف مسلم مستضعفين مغلوبين على أمورهم، والسكان كانوا لا يزيدون آنذاك على 57 ألفا، وفي السنوات التالية ازدادت تجارة الرقيق، وأخذ البرتغاليون يزيدون من أعدادهم، إذ جلبوا من ”أنغولا” وحدها حوالي 600 ألف مسلم زنجي، وجل هؤلاء السود جيء بهم من غرب إفريقيا. على أن أبرز مجموعاتهم هي التي اختطفت من المناطق السودانية، مناطق داهوتي، والهوسا، وأشانتي، والفولان… وحمل هؤلاء المسلمون في قعر السفن، بعد أن ربطوا بالسلاسل الحديدية، ومات منهم من مات وألقي في البحر من أصيب بمرض أو حاول أن يثور. اقتلع هؤلاء بالقوة من محيطهم ليكونوا آلات في هذه البلاد… وكان هؤلاء ”العبيد” يتمتعون بتفوق فكري وحضاري على السكان المحليين وعلى البرتغاليين والأوروبين في البرازيل، وخاصة الذين وصلوا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كانوا متقنين للكتابة والقراءة، بينما أسيادهم على عكس ذلك يعيشون في جهل مذقع، لذلك لم يكن من السهل قيادة تلك المجموعات المسلمة أو تطويعها وجعلها مجرد أداة حرث توجهه كيفما تريد… لا !! ، قام هؤلاء المسلمون منذ البداية بحركات وانتفاضات عديدة ضد تجار الرقيق وضد معتقليهم على ظهر السفن التي نقلتهم، وبعد وصولهم للأراضي البرازيلية، بعد توزيعهم على أرجاء البرازيل. إلا أن غالبيتهم العظمى كانت موجودة في ولاية ”باهيا”، وكانوا يشكلون الجالية الكبرى الثانية في مدينة ”ريو دي جانيرو”.
نضال وكفاح من أجل الحرية
المسلم من طبيعته لا يرضى أن يكون عبدا إلا لله تعالى منقادا له في كل شيء، طائعا له ولرسوله ولأميره مصداقا لقول الله تعالى (ياأيها الذين آمنوا أطيعواالله وأطيع الرسول وأولي الأمرمنكم..) هذا جانب، والجانب الآخر أن هؤلاء الأرقاء جاؤوا من أجواء، أو يحملون أجواء إسلامية واسعة التقدم الحضاري، يقول أحد المؤرخين، واسمه ”فريري”: (كان هؤلاء المسلمون السود يشكلون عنصراً نشيطا مبدعا، ويمكن أن نقول إنهم من أنبل من دخل البرازيل خلقا، اعتبروهم عبيداً، لم يكونوا حيوانات جر أو عمال زراعة في بداية دخولهم، إنهم مارسوا دورا حضاريا بارزا، كان الساعد الأيمن في تكوين البلاد الزراعي، بينما كان سكان البلاد من الهنود الحمر يميلون إلى الكسل والراحة).
إن البرازيل مدين لهم في كل شيء في قصب السكر والقهوة التي جلبوها والقطن والحبوب، حتى الأدوات الزراعية الحديدية، كلها إفريقية، حتى التعدين في البرازيل واستخراج الحديد جاء عن طريق هؤلاء المسلمين الإفريقيين، كانت وسائل التقنية عندهم أكثر تقدما من وسائل الهنود ومن وسائل البرتغاليين أنفسهم… ويذكر أن أسيادهم الأميين الذين جلبوهم لاسترقاقهم كانوا يتخاطبون مع الأوروبيين من خلال هؤلاء العبيد المتحضرين، يكتب العبد المسلم رسالة السيد إلى زميله السيد الآخر، الذي يقرأ له الرسالة عبده المسلم المتعلم، وقد جاء مع هؤلاء العبيد شيوخهم الذين يعظونهم ويرشدونهم ويفقهونهم في الدين وينزلون معهم الأكواخ ويلقنوهم القرآن ومبادىء الشريعة الإسلامية السمحاء .

يحكي صاحب المكتبة الرئيسية الفرنسي في عاصمة الامبراطورية (باهيا) لأحد أصدقائه الأمريكان، الذي زار البرازيل في القرن 19م يقول: إن من بين زبائنه عبيدا مسلمين من ”باهيا”، وعن طريقه كان هؤلاء ”العبيد” المتميزون، بعضهم كان يبدو في الظاهر مسيحيا، ولكنه في الواقع مسلم، يستوردون أجزاء غالية من القرآن الكريم والكتب الدينيه ليقرؤوها سراً، وفريق منهم أنشأوا بعض المدارس، وكان من بين هؤلاء ”العبيد” المسلمين في ”باهيا” جمعيات للمساعدة المتبادلة تقوم بتحرير عدد كبير من العبيد، وفي مقاطعة ”ميناس جيرايس”، على غرار ما كان في مقاطعة ”باهيا” من المساعدة المتبادلة ازدهرت بين العبيد جمعيات حركة التحرير والكفاح من أجل الاستقلال، وإنهاء عهد الرق والعبودية، والمواطن الأمريكي ”إوبانك” عندما كان في البرازيل من سنة (1845 ـ 1846م) تناول العشاء مرة مع أحد المزارعين وملاك العبيد في ”باهيا”، أخبره أن العبيد في مدينة سلفادور محافظون على لغتهم الأصلية، وأنهم ينظمون جماعات وجمعيات تضع خططا ثورية، الخطط نفسها التي حاول تنفيذها إخوانهم في مناطق أخرى عدة مرات… وقد قص هذا المالك للعبيد أكثر من ذلك لهذا المواطن الأمريكي، فقال: إن بعض العبيد في ”باهيا” كانوا قادرين على أن يكتبوا العربية بمهارة، وكانوا أعلى ثقافة من أسيادهم بكثير. وبعد أن ازداد عدد العبيد المسلمين وقويت شوكتهم وبلغوا من القوة الاقتصادية والعلمية والثقافية مع التخطيط المحكم، قاموا بثورة إسلامية تحررية سميت عند المؤرخين بثورة ”العبيد المسلمين” بمنطقة ”باهيا” تجاه مجموعة سياسية متحكمة اقتصاديا وسياسيا. وهكذا توالت ثورات وانتفاضات بزعامة الشيوخ والعلماء والدعاة الذين وجهوا الثورة وقادوها بكل شجاعة وإخلاص وأدب رفيع… فمن غير المتوقع أن يخضع هؤلاء لأسيادهم الذين دونهم ثقافة ومعرفة وعلما. ولم يتمكن التنصير القصري والحكم الدكتاتوري ومحاولة تغيير أسمائهم لأسماء نصرانية أن يطفئ الحمية الإسلامية حتى في نفوس القلة منهم… لذا كانت الأكواخ في الحقيقة مساجد عامرة لتربية الفرد المسلم، فالإسلام كان هو روح الثورة وشعاعها ومنطلقها، وكانت العربية هي لغة التفاهم بين الثوار المسلمين
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ